أحمد بن محمد المقري التلمساني

338

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ورأيت على هامش هذا المحل من « الإحاطة » بخطّ المذكور ما صورته : أقول وأنا ابن مرزوق المسمّى فيه : إني قد وصلت إلى تونس المحروسة في شهر رمضان من سنة خمس وستين ، فلقيت بها من المبرّة والكرامة والوجاهة فوق ما يعهده أمثالي ، ووليت خطابة جامع ملكها ، وتدريس أم المدارس فيها ، وهي المعروفة بمدرسة الشماعين ، كلّ ذلك تحت رعاية وعناية وملازمة لمجلس ملكها ، إلى أن توفي سنة إحدى وسبعين ، ثم مع ولده وابن أخيه ، إلى أن رحلت في البحر في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ، فحللت في الديار « 1 » المصرية ، ولقيت من ملكها الذي لم أر في الملوك مثله حلما وفضلا وحياء وجودا وتلطّفا ورحما ، السلطان المالك الملك الأشرف ناصر الدين والدنيا شعبان بن حسين ، فأحسن لي وأجرى عليّ وعلى أولادي ما قام به الحال ، وقلّدني دروسا ومدارس ، وأهّلني للمثول بين يديه ، والحال مستمرّ على ذلك حتى الآن ، وذلك من فضل اللّه ومعهود إحسانه ، والمرجو من اللّه حسن العاقبة ، وكتب في رمضان سنة خمس وسبعين ؛ انتهى . وكتب بعده أبو الحسن علي بن لسان الدين ، رحمهما اللّه تعالى ، ما صورته : صدق ، وهو فوق ذلك كلّه ، فقدره معروف ، ولطالما كان ملك المغرب يفتخر به ، فصار يفتخر بتقليد الدروس : [ السريع ] والدهر لا يبقى على حالة انتهى . قال في « الإحاطة » « 2 » : ولمّا شرح كتاب « الشفاء » للقاضي عياض ، رحمه اللّه تعالى ، واستبحر فيه ، [ وأكثر النقل ، وبذل الجهد ] ، طلب أهل العدوتين نظم مقطوعات تتضمّن الثناء على الكتاب المذكور ، وإطراء مؤلّفه ، فانثال عليه من ذلك الطّمّ والرّم ، بما تعدّدت منه الأوراق ، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق ، إيثارا لغرضه ، ومبادرة من كلّ الجهات لإسعاف أربه ، وطلب مني أن ألمّ في ذلك بشيء ، فكتبت له في ذلك : [ الطويل ] شفاء عياض للصدور شفاء * فليس بفضل قد حواه خفاء هديّة برّ لم يكن لمديلها * سوى الأجر والذكر الجميل كفاء « 3 » وفي لنبيّ اللّه حقّ وفائه * وأكرم أوصاف الكرام وفاء

--> ( 1 ) في ب « فحللت بالديار » . ( 2 ) انظر الإحاطة 48 . ( 3 ) مديلها : اسم فاعل من قولهم « أدال فلان الشيء » إذا جعله متداولا ، والكفاء - بكسر الكاف - الجزاء .